حسن الأمين
146
مستدركات أعيان الشيعة
النيابي بأنه معارض له ، حتى أنه يوم استدعاه « محمد علي شاه » من أوروبا ليتولى رئاسة الوزارة ، ووصل في الخامس من ربيع الأول سنة 1325 إلى مرفا « أنزلي » الإيراني الواقع على بحر الخزر ، أراد مجاهدو « أنزلي » المجاهدون المؤيدون للنظام النيابي ، منعه من النزول إلى أرض إيران لولا أنه عاهدهم على المحافظة على هذا النظام . وفي قلب تلك البلبلة والتداخل والتشعب بين مختلف الغايات والاتجاهات أنشئت جمعيات سرية بتدبير من الماسونيين وغيرهم وأبدى البابيون نشاطا فائقا في تأييد المجلس وتشكلت لجان ، بعناوين ظاهرية مختلفة ، في طول البلاد وعرضها . وكان « الشيخ فضل الله نوري » يخشى عاقبة تدخل الإنكليز في قضية النظام النيابي ويعلم أن وراء مناصرتهم لهذا النظام غاية أخرى لهم غير إقامة الحياة النيابية في إيران . ويخشى كذلك من أن نفوذ أهل البدع آخذ في التزايد عن طريق استغلالهم لهذا النظام . ومن ثم كان يهاجم الإنكليز ويقول : الإسلام دين الشورى والمساواة . فما حاجتنا إلى الإنكليز يصنعون لنا النظام الشوروي وعندنا الآية الكريمة * ( ( وأمرهم شورى بينهم ) ) * ! وطرح شعار « المجلس النيابي الشرعي » مطلبا له لمعارضة أهل البدع والجمعيات السرية المشبوهة . وهذا الموقف لم يكن موقف « الشيخ فضل الله نوري » وحده - كما ذكرنا ذلك من قبل - بل وقفه أيضا جماعة أخرى غيره من العلماء والمجتهدين كانوا من أشد أنصار النظام النيابي ومن السباقين إلى العمل من أجل إقامته ، ودعوا إلى مقاومة الاستبداد الملكي . ولكنهم لما رأوا ما آل إليه أمر المجلس من انحراف واتجاهات غير سليمة عادوا يتحفظون ويدعون إلى الاستقامة . منهم « السيد ريحان الله البروجردي » و « السيد علي آقا اليزدي » من علماء طهران . ومنهم العالم الروحاني التبريزي الشجاع « مير هاشم شترباني » أحد رواد النظام النيابي ونائب تبريز وعضو لجنتها الشعبية . فإنه لما رأى تدخل الأجانب في شؤون الحركة النيابية الدستورية ونشاط أهل البدع في استغلالها اتخذ الطريق « الشيخ فضل الله » في المعارضة ، وانفصل عن لجنة تبريز والجمعيات المرتبطة بها وأنشأ لجنة تعارضها باسم « اللجنة الإسلامية » . وآل أمره إلى أن حكمت عليه محكمة « يفرم » الأرمني بعد اقتحام الثوار طهران بالموت ، فقتل في الثاني من رجب سنة 1327 أي قبل قتل « الشيخ فضل الله نوري » بأحد عشر يوما . ومنهم عالم قزوين « السيد مسعود شيخ الإسلام » فقد حدث أن مر « يفرم » الأرمني بقزوين في طريقه إلى مدينة رشت . فخرج المطالبون بالدستور من أهالي قزوين لاستقباله وهم يهتفون « زنده باد حامي إسلام يفرم خان أرمني » أي « عاش حامي الإسلام يفرم خان الأرمني » . فعارض « السيد مسعود شيخ الإسلام » مثل هذه الهتافات ، وقال : كيف يمكن للأرمن ( 1 ) أن يكونوا حماة الإسلام ! واشتد النزاع فكان أن انشق « السيد مسعود » عن الدستوريين . وفي ربيع الثاني من سنة 1327 . زحف الثوار من نواحي مختلفة من إيران لاقتحام العاصمة طهران والقبض على « محمد علي شاه » . وزحف الثوار من رشت ، بقيادة « يفرم » ، وهم من الأرمن والكرج والقفقاسيين والبختياريين ، وبدأوا بقزوين ففتحوها بالحرب ، وأوقعوا بها القتل والحريق والهدم والنهب بلا حساب . واعتقلوا « السيد مسعود شيخ الإسلام » فأمر « يفرم » بقتله فقتل قتلة يصفها المؤرخ « إبراهيم صفائي » بأنها كانت من أفظع وأقسى أشكال القتل . بل إن « محمد علي شاه » نفسه ، وقد كان لتدخله أثر أساسي في حمل أبيه على إقالة الصدر الأعظم « عين الدولة » عدو الدمقراطية والنظام النيابي الأكبر ، والتمهيد لإقامة الحياة النيابية - إن « محمد علي شاه » نفسه لم يعارض المجلس النيابي ، وكل ما كان يريده من المجلس هو جمع السلاح من أيدي ( الميليشيات ) وحصر حمله بقوى الأمن الشرعية . وهذا هو أصل الخلاف بينه وبين المجلس ، إذ رفض المجلس طلبه لهيمنة النواب المشبوهين عليه . بل بلغ الأمر برجال ( الميليشيات ) ، وعلى قيادتهم الزعيم الطاشناقي الأرمني « يفرم » والجاسوس البلغاري الروسي « بانف » وأمثالهما من أعضاء الطاشناق والكرجيين والقفقاسيين والبختياريين ، أن أبلغوا المجلس النيابي أنهم لا يبالون بما يتخذه هذا المجلس بشأنهم من قرارات ، وسيستمرون في حمل السلاح شاء أم أبى ! وأما موقف « الشيخ فضل الله نوري » من الروس فيتبين من عمله حين انتصر الثوار في سنة 1327 ، واقتحموا طهران وأصبح الحكم عليه بالموت أمرا محققا . فقد اقترح عليه الروس يومئذ أن يرفع العلم الروسي على بيته أو يلجا إلى سفارتهم فيصبح في حمايتهم آمنا من كل سوء ، فرفض ، وعد ذلك جبنا وعارا عليه . ولو أنه فعل لنجا من الموت . ولكنه فضل الموت وتقبله بكل شجاعة على أن ينجو منه بيد أعداء بلاده . حقا لقد أيده « محمد علي شاه » والأتابك ، بل أيده الروس أيضا ، في معارضته للمجلس النيابي ، ولكنه طرح شعار « المجلس الإسلامي » و « البرلمانية الشرعية » بدافع واحد هو عقيدته الإسلامية لا غير . وفي الخامس من ذي القعدة سنة 1325 . تظاهرت في ساحة « الطوبخانة » في طهران جماعة من القوزاق والجنود مع جماعة من الأهالي ، وانضم إليهم فريق من الأوباش والمشاغبين ، يعلنون بمعارضتهم لأنصار المجلس النيابي . وكان يقود المتظاهرين جماعة من رجال البلاط . وكان مظهرهم ينذر بالشر . وصدرت عنهم حركات وهتافات منكرة . وقتلوا شابا من أنصار النظام النيابي ضربا بالسيوف والحراب والسكاكين وكل ما وصلت إليه أيديهم . وفي الثامن من ذي القعدة ذهبوا إلى منزل الشيخ « فضل الله نوري » وأحرجوه بالالتماس والرجاء والتشديد حتى جاؤوا به إلى ساحة « الطوبخانة » . وخطب هناك جماعة من رجال الدين فهاجموا البابيين وحذروا
--> ( 1 ) في إيران جالية أرمنية كبيرة يعود تاريخ نزوحها إلى إيران إلى عهد الشاه عباس الكبير ( 996 - 1038 ه ) .